|
" .. لاشك أن ( حسن السوسي ) شعرٌ كله ، من أخمص قدميه إلى أعلى رأسه الموخط بالشيب والجلال ، فراشة ٌ تحترق في الليل ، وزهرة ٌ تتألق في الشمس بمواجيد العابدين ، وأشجانِ العاشقين ، وعفويةِ الأطفال .." (1)[1] .
بهذه الكلمات وصف ( د. محمد أحمد البدوي ) شاعرَنا حسن َ السوسي ، وهو يكرسه قامةً سامقة ً من قامات الشعر الوجداني في ليبيا ، ويضعه في مقدمة كوكبة فرسان القافية فيها .
( حسن ُ السوسي ) .. البسيط الوادع ، تطغى السكينة على مساحة وجهه ِ، وابتسامته الأبدية التي خلق بها لم تفارقه حتى وفاته .. وصاحب قلبٍ لا يغفل عن الحب ، وعين لا تفتأ
تتسقط الجمالَ وتجوسُ خلاله أنّى حلّ وفيمن حلّ .. لكن هذا هذا البسيط الوادع – وعلى عكس ما توحي به تركيبته الظاهرة ـ يضج بكنوز كامنة تسكن باطنهَ ، حتى إذا ما استثاره مؤثرٌ انثالت تلك الكنوز ، واستيقظت دواخله ، فتحول إلى :
بلبـلٌ طـرِبُ شدوُه عجَـبُ
نصفُه مـرحٌ نصفُه غضبُ
غصنُ دوحتِه ناضرٌ رطِـبُ
مرةً صعــدٌ مرةً صبـبُ
عاشقٌ دنِفٌ والجوى تعبٌ(2) .
وفي دراسة عنه للشاعر القاص ( جمعة الفاخري ) بعنوان ( السوسي ، قلب الشاعر العاشق ) يصفه قائلاً : " فهو يصحو عاشقاً .. ينفض قلبَه .. يتنفس حباً عميقاً ليطمئن أنه لا يزال على قيد الحب .. قيد الحياة الساحرة الجميلة .. قبل أن يمضي أنيقاً متعطراً ، مترصداً حباً جديداً .. متربصاً بمعانٍ عصية .. متحيّناً القصائدَ اتلفارهة َ المضيئة .. يمدُّ لها قلباً مملوءاً بالنور ، ليسقطَها في شغافه ، ليعيدَ اتناجَها ولهاً ودهشة .. " (1) .
إن ( السوسي ) ـ شأنُه شأنَ أمثاله عشاقش الجمال ـ يعتريه ما يعتريهم في حضرة الجمال ِ والحسن .. يقول في هذا :
ولأستشهدْ ببعض ما قاله ( د. البدوي ) في معرض دراسته عن شاعرنا التي وردت في مقدمة ديوان ( الفراشة ) حيث يقول :
" .. هذا الشاعر في مظهره ابن ٌ للمدينة .. ولكنّ تكوينَه الأولَ يستمد مقوماته من البادية ، مصهرِ إبداعه ، فهو ذو رقة رزينة يخالطها قدر ٌ من التملَّح ، ويمازجها صفاء ٌ وقصد ٌ إلى الوضوح ، تكتسي شفافيتُه بكياسة الظرف ، ووداعة الرخاء السمح الذي يضوع من أردان الإنسان النبيل الخجول .."
إنها الفطرة ـ إذن ـ فحسنُ السوسي استطاع ـ وبمقدرة فريدة أن يحتفظَ بأكبر قدر من البراءة .. هذه الفطرةُ التي عجزت آلاف المدن التي ارتحل إليها وحل بها عن طمس معدنها .. بل على العكس من ذلك ، فقد نتج من تمازج طبعه البدويِّ وحياته المدينية شعر ٌ له نكهة ٌ ومذاق ٌ مختلف .. قد لا نجد لها مثيلاً عند نظرائه من الشعراء .. فهاتان البيئتان اللتان صاغتا حسن َ السوسي حالتا دون تسرب الرتابة إلى عالمه الشعري .. فعاش حياته مسيطراً على قدرة فذة من الاندهاش ، وكان ـ دائماً ـ يجد ما يستثير هذه الدهشة .. يقول السوسي :
ما لاح لي وجه ٌ جميل ٌ مشـرق ٌ إلا وعربد في الضلوع صراع ُ
وأنا المسافر في العيون ِ ومركبي يلهو به الإرساءُ والإقــلاع ُ
قدري مصاحبة ُ البحار فــمرةً أطفو .. وحيناً يحتويني القاع ُ
لا أستقر على مرافيء شاطـئٍ أبداً فعمري غربة ٌ وضيــاع ُ *
والشعر ليس ديدن َ السوسي فحسب .. بل روحه وحياتهُ .. فالحياة عند السوسي شعر ٌ ، حتى إذا ضاقت به الحياة أو حزبه أمرٌ توجه إلى الشعر ، ففوض إليه أمر مشاعره ووجدانهِ ..
والشعرُ بهجة روح ٍ والشعر فرجةُ ضيقِ
وربما كان مــنه بلاسم للجــروح
وربما كان جسـرا ً يفضي بنا لطـريقِ
لكن أين يريد أن يفضي به هذا الجسر !؟
لذات وجه ٍ صبيح ٍ على قوام رشيـقِ
وفاحـم ٍ كالدياجي وناصع ٍ كالشروق ِ
ومبسم ٍ كاللآلــي مطوق ٍ بعقيــق ِ
هذا ـ إذن ـ دور الشعرِ في حياة ( السوسي ) ، وتلك فلسفته في الشعر الذي لا يصلح إل أن يكون موظفاً للجمال .. داعياً أليه .. ويعلن ذلك صراحة ً حين يقول :
فالشعر ما غنّى الجمالَ وما خلا من ربقة الزلفى وحس التاجرِ
مؤكدا ً :
أحلى الكلام ِ الشعر ُ حين يصوغه قلم ٌ بخمرةِ عِشقه نشوان ُ
تتشرب الأرواح ُ لُطف َ حديثِه لما يقول ُ ويورقُ الوجدان *
فحسنُ السوسي لا ينفك يصيو إلى الجمال ِ وحبِّ الحياة ِ حتى وإن تقاعد في الهوى ، فلا يزال الحديث ُ الحلو ُ غايتَه ، والمجلسُ المتألقُ المزدان ُ مقصدَه ومرادَه :
يبقى الحديث ُالحلو ُغاية َمقصدي والجلس ُ المتألقُ المزدان ُ
لا شيءَ إلا خافق ٌ مستوفـــز ٌ قلِقٌ وإلا مقلة ٌ ولســان ُ
متسقطا ً ماذا تقول فلانــــة ٌ لفلانة ٍ أو ما يقول ُ فلان ُ*
إن المرأة َ التي قد نشعر بحرارة أنفاسها ، ظلت تلوح من بعيد .. لكنها ليست المرأةَ التي نجلس قريبا ً منها .. فحسن ُ السوسي مثل ( عمرو بن أبي ربيعة َ ) ـ الذي ملأ الدنيا في عصره ـ عفيف ٌ .. يصفُ ولا يقف ، يحومُ ولا يرد ، يرى ولا يلمس .. يقول عمرو بن أبي ربيعة َ :
إني امرؤ ٌ مولع ٌ بالحسن أتبعُه لا حظ َّ لي منه إلا لذة ُ النظر ِ
فعلى الرغم من كثرة أسماء الحسان في حياته .. ( من زينب إلى خديجة إلى عواطف وآمال وليلى وسوزان وفاطمة وهالة وإيناس ...) لكن ّ هذه الرموز لا تعدو كونها تماثيل لا تمس ّ .. بل ربما كانت علاقته بإحداهنّ وليدةَ مقابلة ٍ وحيدة .. لأن ( حسن السوسي ) لا يعشق ُ امرأة ً بعينها .. بل ملهمةً ( وما أحوج ُ شاعرٍ مثلِه إلى ملهمةٍ ) تنعشُ إحساسَه ، وتبعثُ بكلماتها الخضر ما فتر من همته ، فتغنيه عن سائرِ الناس .. ففي قصيدة صحوة من ديوانه ( صدى السنين ) يرسل ُ آهة ً حرة ً إلى حبيبته إيناس فيقول :
فلو علمتُ الذي أعلنتُه سلفا ً إذن أتيتك حبوا ً أو على الرأس ِ
ما دمتِ لي ليس لي إلاّكِ ملهمةٌ فأنتِ مغنيتي عن سائر الناس ِ
لا فرقَ بين مشيبي وارتعاشِ يدي وبين حُسنٍ وقدٍّ منكِ مياسِ *
وفوق هذا كله ، فقد صار صوتُها في حلم ( السوسي ) وصحوته :
ردّتْ فؤادي إلى أيام صبوتِهِ وكِدتُ أعلنُ بين الناس إفلاسي
فهمسُكِ الحلوُ صحّى الشوقَ في خلدي فذكّريني فإنّي دائماً ناسي
وهو يقرُّ على الدوام أنه يحتاج إلى المرأة .. ليس في أوان صبوتِه وعنفوان شبابه ، بل حتى في خريف العمر .. فيقول مستجديا ً مشاعرَ قبل أن تعصفَ به أعاصيرُ الخريف :
في شتاء العمر محتاج ٌ أنا سترةَ صوف ِ
ولدفءِ النّفَسِ العطريِّ من ذاتِ الشفــوفِ
لتكوني إنتِ من شئتِ وطوفي بي وطوفـي
واستقرّي بي على جدولِ شهدٍ وقطــوف ِ
أنا ظمآن ٌ وجوعان ٌ وفي جهد ٍعنـــيف ِ
زوديني واغنمي الشكرَ من الصب ِّ اللحوفِ
قبل أن تعصف َ بالقلبِ أعاصيرُ الخريــفِ*
ويقول أيضا ً :
قالت ظننتُك ألمعيّاً نابها ً وتبسمتْ عن ناصعٍ لألاءِ
أنا يا أخي ليلى فقلتُ مبادراً وأنا الفتى المجنونُ يا ليلائي
فلأنتِ يا أملي مدارُ قصائدي ولأنتِ يا حلمي مثارُ عَنائي
إن لم يكن لكِ ما أصوغُ رويَّه فلمن تكون قصائدي وغنائي *
هكذا هو ( حسن ُ السوسي ) .. إنه كما يقول ( د. محمد البدوي ) : " يعشق المرأةَ ـ الذات َ ، وليس المرأةَ الصفات ، مما يجعل شعرَه لا يتوجه إلى حبيبة واحدة ، بل حبيباتً بأسماءٍ متعددة ، وهو في هذا كله يفلسفُ أسلوبَه في الحياة بقوله :
لا تعذلوا العشاقَ في صَبَواتهم العشقٌ أولُ رتبةِ المتصوّفِ
من لا يحب الحُسنَ في أشكالِه أو لم يذقْ من كأسهِ أو يرشفِ
سيظل كالتمثالِ صلداً باردا ً ما انفك يقبع في زوايا المعبَدِ
وجْعُ العيونِ النّجلِ نَحكمةُ الهوى حكمتْ عليَّ به ولم أستأنفِ
إنّي جعلتُ طريقَها لطريقةٍ جِسرا ً فهل من مقتدٍ أو مقتفِ *
ويقول مجاهرا ً بما يعتنق :
خُلقتُ للحُسنِ أهواهُ وأرصدٌه وإن يكنْ في غَياباتِ الغَياباتِ
وبعضُهم عمرُه يقضيه في نصَبٍ بما يعانيه من جمعِ الجنيهاتِ
وقد يلتقي ( السوسي ) حبيبته في بيروتَ ، أو القاهرة ، أو دمشقَ ، أو مراكش ، أو بغدادَ .. بل حتى في درنة ، أو بنغازي ، أو مصراتة ( عندما تأكد له ذاتَ صيدٍ أن الحسن مصراتي ) .. فهو موسميُّ الهوى ، يهفو كلَّ يوم إلى حسناءَ ، وله في كل مجلسٍ غراميٍّ متكأ ٌ مع إحداهنّ .. وهو في الصبحِ غيرُه في المساء ، وفي الصيفِ غيرُه في الشتاء .. إنه كالطقسِ المتغيّرِ الذي لا يستقرعلى وجهٍ واحد :
موسميُّ الهوى فؤادي وعيني مثلُه موسميّة ُ الأهواءِ
كلُّ وقتٍ له هوىً مستجَدٌ كلُّ يومٍ يهفو إلى حسناءِ
فهو في الصبحِ غيرُه في الأماسي وهو في الصيفِ غيرُه في الشتاءِ*
إن ( حسن السوسي ) اختار بمحض إرادته أن ينحازَ للشعور ِ الإنسانيِّ المرهف ، متشبثا ً بالحياة ، عاشقاً لها ، مستمتعا ً متلذذا ً بكل دقائقها وثوانيها حتى الثمالة ، وعاش حياتَه داعياً إلى ذلك .. فهاهو يقدم ديوانه ( المواسم ) بهذه الأبيات التي تبيّن رؤيتَه للحياة حين يقول :
تمّع بما تُولي الحياةُ فإنما حياةُ حقلٍ والسرورُ مواسمُ
وأجدرُ من تُولي الحياةُ صفاءَها وجوه ٌ تُحِّليها ثغور ٌ بواسم ُ *
فحياةٌ بلا حبٍّ عنده ، كفصولٍ بلا ربيع ، وهو شبابٌ دائم ٌ لا يعترف بالشيخوخةِ إلا في الجسد لكنّ القلبَ يظل مخضوضلاً نضرا ً .. يقول ( السوسي ) :
اثنانِ لا يهرمانِ الدهرَ ما بقيَ ولا يؤثر في روحيهما العُمرُ
حسنءُ تحسِبُ كم صرعى مفاتنُها وشاعرٌ قلبُه مخضوضِلٌٌ نضِرُ
ويقول أيضاً :
يبقى النسيب مجالَنا حتى وإن شِخنا وكيف يشيخ قلبُ الشاعرِ
وتبدو هذه الرؤيا أكثرَ وضوحاً ، مؤيداً ( إيليا أبي ماضي ) حين يقول :
فكنْ جميلاً ترَ الأشياءَ مشرقة ً وابحث عن الحبِّ تظفر بالهناءات*
وإذا كان الشعر عند العرب ِ " هو ما دقَّ معناه ُ ، ولَطُفَ مدخلُه ، وسهُل مخرجٌه ، ومتُن حشوُه ، وتعطّفتْ حواشيه ، وأنارتْ معانيه ، وأعرب عن حاجتِه .." * فإننا نكاد نلمس جُلَّ هذه الخصائصِ والمميزات في شعر ( حسن السوسي ) .. فلقد تميز شاعرُنا عن نظرائه ومجايليه بسهولة الشعر، وشدة الأسر، وحُسن الوصف ، ودق’ المعغنى ، واستنطاق الربع ، وعفة المقال ، وطلاوة الاعتذار .
وليس لنا أن نقول في ختام هذه البسطة سوى ما قاله هو نفسُه في رثاء صديقه المرحوم ( محمد مصطفى بازامة ) :
عصاميُّ فما للناسِ فضل ٌ عليك وإنّ فضلَك لا يُعدُّ
وأفذاذُ الرجالِ وهم قليل ٌ بهم لبلادِهم فخر ٌ وسعدُ
رحم الله ( حسن َ السوسي ) بقدر ما أشاع في حياتنا بهجة الحب .. وبقدر ما ملأ حياتَنا ودّا ً .. خلقا ً وجمالَ روحٍ وشعرا ً .
[2] 1 – مجلة الجليس – اللجنة الشعبية العامة للثقافة – العدد الخامس – 2006 ( وهي آخر دراسة كتبت عن الشاعر حال حياته ) ..
2 –. حسن السوسي- ديوان صدى السنين – مجلس الثقافة العام – ط1 – 2006
3- المصدر السابق .
4- المصدر السابق .
--------------------------------------------------------------------------------
[1]حسن السوسي – ديوان الفراشة – منشورات مركز دراسات الثقافة العربية – ط1 – 1988
- 2 حسن السوسي – ديوان صدى السنين – مجلس الثقافة العام – ط1 - 2006
1 – مجلة الجليس – اللجنة الشعبية العامة للثقافة – العدد الخامس – 2006 ( وهي آخر دراسة كتبت عن الشاعر حال حياته ) ..
2 –. حسن السوسي- ديوان صدى السنين – مجلس الثقافة العام – ط1 – 2006
3- المصدر السابق .
4- المصدر السابق .
|