الرواق الأدبي
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ
الكاتب : ناجي عبدالعالي محجوب

ما يحدث اليوم في أغلب مدننا ، من تكليف وترشيد وتصعيد أناسٍ مشهود لهم باليد الطولى في نهب المال العام ، يُذكرني بما حدث في عهد ( محمد سعيد باشا ) ،

عندما نصَّب وزيراً ، فسرق هذا الوزير خزينة الدولة ، فعزلهُ ( محمد سعيد ) ، فلما جاء عهد ( الخديوي إسماعيل ) ، جاء بنفس هذا الوزير ، ونصبه ، وكانت ( مِصْرُ ) ، في تلك الفترة ، تشهد اكتشاف مُمياوات الفراعنة ، فقال أمير الشعراء ( أحمد شوقي ) ، ساخراً وزيراً للآثار من هذا الوزير :
                               أمن سرق الخليفة وهو حيٌ
                                                            يعِفُ عن الملوك مُكفنينا ؟!
وهؤلاء الذين كُلفوا أو رشدوا أو صعدوا لمناصب قيادية ، لا يوصفون بتقوى ولا دين ولا ورع ولا ضمير ولا حتى وطنية ، وعندما أدوا اليمين القانونية ، أو ما يسمَّى ميثاق الشرف ، انطبق عليهم قول العامة :                              ( يمين البكَّوش في صدره ! )، فكان الواحد منهم من التسعة المفسدين ، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، وهم أنفسهم كانوا جهاراً نهاراً يسرقون الثروة باسم الثورة ، فأكلوا ناقة الله وسقياها ، ولم يبقوا حتى على شحومها ، أو الحوايا ، أو ما اختلط بعظم ، فبددوا ثروة المجتمع على شهواتهم وملذاتهم وأذنابهم ، وكانوا معاول هدم بلا منازع ، وأصبحت المدينة بفضلهم  كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ  القمر ( 31 ) ..
فلما سقطت عنهم ورقة التوت ، وبدت سوءاتهم ، طفقوا يخصفون عليهم من دعاوى الإصلاح والحرص على المصلحة العامة ، ويقدمون أعمالاً ظاهرها الإصلاح ، وباطنها الفساد .
وهم أنفسهم من كانوا يفسدون في الظل ، وها هم اليوم يفسدون في الشمس ..
ومع فسادهم ، الذي أزكمت رائحته النتنة الأنوف ، تُفردُ لهم الصفحات الأولى ، وموجات الأثير ، ليتكلموا بلا خجلٍ عن إنجازاتهم الواهية التي وُلدت لتموت بسبب فسادهم ، قال الله تعالى :
 إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلُحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ  يونس ( 81 ) ..
وعندما تسمعُ لقولهم تتذكر قول النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في الحديث الصحيح : ( سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات ، يُصدَّق فيها الكاذب ، ويُكذَّب فيها الصادق ، ويُؤتمن فيها الخائن ، ويُخوَّن فيها الأمين ، وينطق فيها الرُّويبضة ؟ ) ..
قيل : ( يا رسول الله وما الرُّويبضة ؟ ) ..
قال – صلى الله عليه وسلم : (الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) ..
رواه ( ابن ماجة ) ، و( الحاكم ) ، وصححه ( الألباني ) .
ومع أن ما أُنفق على هذه المدينة في السنوات الماضية ، يعادل ميزانية دولةٍ كاليمن مثلاً ، فإنك تجد أن البنية الأساسية للمدينة ، في الصحة والتعليم والمرافق ، شِبْهُ مُنهارة ، وأزمة السكن في ازدياد مضطرد ، مع انتشار الأحياء العشوائية الفقيرة ، التي تحيط بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم ، واتساع الهوة ، يوماً بعد يوم ، بين الفقراء والأغنياء ، فتجد في نفس الحي ، الفقر المُّدقع الذي يسكن صاحبه في بيوت الطين ، وتجد الغنى الفاحش الذي يسكن صاحبه مع الرخام والكريستال ، وحالنا بين  بِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ  الحج ( 45 ) ..

والسبب الوحيد هو هذه العقول الخاوية الصدئة التي جثمت ، ولا تزال ، على مقدرات هذه المدينة البائسة .
وكنت دائماً أتساءل : ( كيف يُمكّن هؤلاء من هذه المناصب ، قبل أن يحاسبوا على ما جنت أيديهم في حق هذه المدينة ، ويُلزموا ، قسراً ، بإرجاع كل درهم نهبوه بغير وجه حق ؟ ! ) ..
وأنا أدعو كل غيور على وطنه وبلاده ، للوقوف صفاً واحداً لإنهاء فصول هذه المهزلة التي طال أمدها ، ولإيقاف ومحاسبة هذه الفئة ، التي لم ولن تشبع ، حتى تبلغ الروح الحلقوم .. فهؤلاء أفسدوا ( ليبيا ) في الماضي ، وها هم اليوم يفسدون ( ليبيا ) في الحاضر ، وأظنهم سيدقون الإسفين الأخير في نعش ( ليبيا ) الغد .  

 
2010-07-26
  القراءات : 153
 
التعليقات
 الاسـم : نجاح صالوح
 البريد الإلكتروني : التاريخ : 2010-07-26
 التعليق

قد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي

 
إضافة تعليــق
الاسـم :
 البريد الإلكتروني :
التعليق :
سيتم اعتماد التعليق من قبل الإدارة

 
الفـجر
الظـهر
العصر
المغرب
العشاء

حسب التوقيت المحلي

لمدينة اجدابيا
 
الحقوق محفوظة لموقع الإجدابي 2009
البريد الإلكتروني : info@al-ijdabi.com