الرواق الأدبي
الالتزام في الشعر الليبي
الكاتب : د. سليمان زيدان
لا يقل - التزام -  الشعراء المعاصرين عن سابقيهم – ولاسيما – الشعراء العرب لأهمية الدور الأدبي في هذه المرحلة  والحاجة إلى تأثيره من أجل تغيير وضع الأمة وتحريض أبنائها على الاهتمام بقضاياها .

كما أنهم ملتزمون بنهج فكري وعقائدي يضمن عدم الخلط بين الثقافة العربية والثقافة الغربية التي تسعى سعيًا  حثيثًا من أجل زعزعة الوجود الفكري العربي وإزاحته من أمام طموحها في سيادة مملكة الأدب ، فهم (الشعراء العرب) يبادرون بتناول القضايا الأممية التي هي أساس مقومات القومية العربية مما يضمن بقاء اللحمة العربية ، ويثبتون  أن دور الأديب لا يقل شأنًا  عن دور الطبيب و الجندي والمعلم والسياسي ، وأن قضايا الأمة تعنيه كما تعني بقية أفراد المجتمع وربما بشكل أكبر لما يملك من حس أوسع وتأثر أبلغ وتصور أرحب . كما أن أهم ما يتناوله الشاعر وأغلبه ما يمس حياة الإنسان ووجوده ، وما يكتنفها من متضادات هي لب معيشة هذا الكائن . وشعرنا المعاصر أقرب لهذا التطور لتعدد الأنماط وبالتالي تعدد القضايا التي تفاعل الشُّعراء معها بكل ما أُوتوا من مقدرة أدبية صادقة ؛ السياسية منها والاجتماعية ، وما يترتب عليهما ، وما يلحق بهما ؛ تفاعلا ً قويًّا  كان له أبلغ الأثر في الحياة العامة لأفراد المجتمع البشري ، وكانت أشعارهم هي السلاح الأمضى والقوة الأعتى في مواجهة هذه القضايا وصرعها في أغلب الأحيان ، وهذا ما نلمسه عند  الشعراء الليبيين الذين التزموا بهذا النهج الأدبي نتيجة لعوامل عدة . ولقد كان لهذه العوامل  (القضايا) أثرها في الشعر الليبي ، فالجوانب السياسية والاجتماعية كانت من ضمن أولويات الشعراء الليبيين ، وكذلك ما يرتبط بهاتين القضيتين ، ولذا فإنهم قد أولوا القضايا الوطنية والقومية اهتمامًاً خاصًّا ، وكذلك الإنسانية  بدءًا من التَّدوين الرَّسمي للحركة الشعرية في ليبيا على يد رائدها الشاعر (مصطفى بن زكري) الذي قال عنه الشاعر الكبير " أحمد رفيق المهدوي : " إنه يشبه البهاء زهيرا ًويعد نقطة الالتقاء بين الشعر القديم والنهضة الشعرية الحديثة " (1) ؛ ومَنْ بعده أمثال ( عبد الرحمن البويصري (1354هـ -1935م ) والشاعر المجاهد ( سليمان البـاروني 1873- 1940م )  والشاعر( أحمد الشارف 1864- 1959م ) والشاعر ( أحمد رفيق المهدوي)  بقصيدته المشهورة (وطني حبيبي)   التي نظمها فـي المنفى ، والشاعر( إبراهيم الأسطى عمر 1907 – 1950م ) وغيرهم إلى أن استلم لواء الشعر الشعراء المعاصرون الذين عايشوا أهم قضية تقض مضاجع الكثيرين من بني الإنسانية عامة والعرب والمسلمين خاصة ألا وهي قضية القدس ، وما تحويه من مقدسات ، فهي مهبط الرسالات ، ومسرى رسولنا الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم -  الأمر الذي أوجب الالتزام الديني الأخلاقي والإنساني تجاهها ، وقد وفَّى الشاعر الليبي بما عليه من التزام عقدي وروحي من خلال رصده لواقع هذه القضية ، وواقع الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والدار ومن ذلك قصيدة القدس(1) للشاعر الليبي المعاصر حسن أحمد السوسي والتي يقول فيها :

العربـي عـزمـــــــــــة         ووقــدةُ تشتــــعــــــــــلُ

مــلءُ دماه ثـــــــــــرة          عارمة تعتمــــــــــــلُ

لا يستكين.. أو تعــــــــود      قدسنـا .. والمجـــــــــدلُ

أظلّهـا العيد .. وهـــــــــذا     الجــرح .. لا يندمـــــــلُ

على ثراهـا الأنبيـــــــــاء     درجـوا .. والرســـــــــلُ

وفي رحـــابهـا رسـالات       السمـــــــاء تنـــــــــــزلُ

أشـرق مـــــــــن لآلائهـا      السّـهْلُ .. وفاض الجبـلُ

تظــل فـــي صـــــلاتهـا         لربهـــــا تبتهــــــــــــــلُ

مسجدهــا معطـــــــــــل        وأهلهــا قد رحلـــــــــوا

وشــــــردوا وبــــــددوا        وحوربوا وقتــلــــــــوا

ولبســــوا الذل فهــــــــم       في كل أرض همــــــلُ

لا بأس .. لكن لن يموت       في النفوس الأمــــــــل

       فهذه القصيدة التي كان عنوانها في حد ذاته التزاماً بالالتزام تجاه هذه القضية الأساس و لاسيما عند العربي ليقيم الدَّال على انتماءات شعرائنا ، فنرى مما سبق أن العربي لن يهدأ له بال أو يشعر بالعزة والكرامة إلا بعودة القدس وانفراج هذه القضية الإنسانية ( الاحتلال والاغتصاب والظلم ) مما يعني له اندمال الجرح وزوال آثاره.  وإنَّ من الأسباب القوية ما يجعل الشاعر كثير الحرص والالتزام بواجبه لتحقيق غاية الخلاص لهذه البقعة من الأرض العربيَّة التي  شهدت حياة كثير من الأنبياء والرسل ،  وكانت هي مدارج أقدامهم ، وموطن استقبالهم لوحي ربهم كما أنها تحوي أولى القبلتين وثالث الحرمين ( المسجد الأقصى )، الذي يعد تطهيره من النجس قضية القضايا ، وإنَّ بقاءه تحت الاحتلال عرضة للعبث يولد قضية الشعور بالعار والمهانة ، وعدم القدرة على صون المقدسات ويرى في الخاتمة أن الفرج لابد من مجيئه مستلهما ذلك من التاريخ الذي يروي أحداثه ماضي هذه الأرض الطيبة وما لقيت من احتلال وهدم وتدمير ولكن رجالات الأمة لم يرضهم ذلك فتعاقب المحررون والمطهرون وكان لهم النصر ، ومن هذا تستمدًّ البشرى بتحرير جديد ، وتطهير عظيم ، وموقد لشعلة الخلاص بوقود الدم الذي سيغسل دنس اليهود الغاصبين .

   ويطالعنا الشاعر راشد الزبير برباعية سمّاها رباعية " حنظلة " (1) عبارة عن كتيب صغير الحجم كبير الرمز والدلالة ، عظيم المعنى والمغزى ، جاعلاً محور قصائده وعنوانها رمزاً من رموز النضال الفلسطيني ، وأحد أسلحتها التي فتكت ولا تزال تفتك بالمغتصب ، وأرّقت ولا تزال تؤرق مضجعه ، حتى أخرجته عن صوابه ، مما دعاه لإسكات هذا الصوت ولو بالغدر والبشاعة ، هذا الرمز هو( ناجي العلي) الذي ارتبط اسمه بفلسطين ، فجاء ت قصائده  حوارية على لسان هذا الرمز ومن ذلك يقول في  قصيدته (من المواطن العربي إلى حنظلة):

التفت حنظلة !

ولكن عينيك حين تدوران

لن تجدا أبدا ًسنبلة

 .......................

ستلتقي هناك بوابة

تقاتل أحلامك المقبلة

وتشعر لو أنك اجتزتها

ستصبح أنت هو المعضلة

إنني مدرك أن بيروت قد نسيتك

وأغضت دمشق وقد واعدتك

وعمان تخشى يدا ًعذبتك

وتزداد شكا

وبغداد تحت الحصار نعتك

وفي مصر يبترد النيل من نبعه

ليوافي رشيد وما قد سقتك

وفي المغرب العربي انكفاء

على حلمه وتباريح أنكى

وفوق الجزيرة لا يدرك الناس

ماذا يسطر عنهم وعنك

ومن سد مأرب حتى صلالة

لا يجد الحلم للعوم فُلكَ

وتستصرخ القدس أسوار عكا

وترنو بأحزانها نحو مكّا

فقد أصبحت كل أرض العروبة

من ضيعة الناس والعدل مبكى  .

  قراءة  شاملة للوضع العربي من خلال شخصية " حنظلة " هي تعبير عن المرجعية التراثية التي يتكئ عليها الشاعر من فكر قومي وعقائدي ، والتي لا نحتاج بعدها لمزيد تفصيل ؛ إذ إنَّ  شاعرنا  ينعى هذه الأمة التي تخلت عن مبادئها القومية والعقائدية فتحولت إلى مبكى من خلال هذه (البانوراما) الجنائزية . لقد جاب أمكنة عدة من خلال رصد الزمن ، ومن واقع هذه الأمكنة وما هي عليه الآن ، فالقدس الشريف محور الهم العربي يستنهض الأماكن التي انطلقت منها يومًا قوافل المجاهدين لتخليصه من قبضة اليهود . يرنو إلى البقعة المقدَّسة التي شهدت عزَّ الإسلام ، وعلة شأن المسلمين علَّ بقيَّة من نخوة تجيب ، لكنَّ الجواب كان ضياعًا ، كان بكاءً وعويلاً ، وبتصوير الحال هذه  قد رصد الشَّاعر لنا ما آلَ إليه آلُ حنظلة.



(1)   د. محمد عبد المنعم خفاجي : الأدب العربي الحديث ، مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة -  ج3 ، ص166 , 176 , 186    

(1)  ديوانه : الجسور ، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان – بنغازي – ط1 / 1998 م ، ص5

(2) مجموعته الشعرية : رباعية حنظله ، مطابع الثورة – بنغازي – د.ط ، د. ت ، ص29

 
2009-08-19
  القراءات : 519
 
التعليقات
 الاسـم : سعاد يونس
 البريد الإلكتروني : Sooadyones@yahoo.com التاريخ : 2009-08-19
 التعليق

ويظل الشاعر دائما من يحمل في قلبه صدى الكلمة في كل وطن سوى أجيز له البوح بها أم تخثرت في جعبته مع باقي الهموم ... لك تحياتي د. سليمان وفي انتظار الجديد . . . الشاعرة سعاد يونس

 
 الاسـم : جوري
 البريد الإلكتروني : التاريخ : 2009-08-20
 التعليق

د/ سليمان عندما يستحيل الحس رقصة عبرية فعلى أي حائط براق سنبكي؟

 
 الاسـم : منيرة بكار
 البريد الإلكتروني : ...... التاريخ : 2009-08-20
 التعليق

فى اعتقادى إن القصائد التى تكتب للوطن هى الأقرب إلى نفس الشاعر ، تقبل مرورى دكتور سليمان على مقالك ولك منى فائق الاحترام ..

 
 الاسـم : ابراهيم نويري
 البريد الإلكتروني : brnouir@gmail.com التاريخ : 2009-08-23
 التعليق

الأخ الدكتور سليمان زيدان الموقر شكرا على طرحك وكتابتك الجيدة .. ولا ريب أن فكرة الالتزام هي الأصل لأنها تمثل الجوهر والثبات للهوية والذات الثقافية والحضارية للمجتمع .. والنأي عنها يمينا وشمالا هو الشذوذ !!! ونظرا لأهمية الموضوع آمل أن تطور فكرة المقال ( الالتزام في الشعر الليبي ) الى كتاب كامل .. ولعل الأفضل أن يكون ( الالتزام في الأدب الليبي المعاصر ) ليكون شاملا .. وتكون الفكرة محققة لمقاصدها .. وحتى تتحصن الأجيال الناشئة في ليبيا بمحضن الأصالة والثبات في وجه التيارات الفكرية والفنية والأدبية الوافدة .. التي تهبّ مع رياح وعواصف العولمة الغربية والقهرية الغربية التي تروم اجتياح ثوابت وخصوصيات الآخر وتمييعها بغرض تأبيد التبعية والتمكين للإلحاق الفكري والحضاري الأبدي ...

 
 الاسـم : رحاب شنيب
 البريد الإلكتروني : rehabshineeb@gmail.com التاريخ : 2009-08-23
 التعليق

د. سليمان .. تحية طيبة .. أشكرك على هذا المقال و على قراءاتك المهتمة بالشعر الليبي و أنتظر لك المزيد

 
إضافة تعليــق
الاسـم :
 البريد الإلكتروني :
التعليق :
سيتم اعتماد التعليق من قبل الإدارة

 
الفـجر
الظـهر
العصر
المغرب
العشاء

حسب التوقيت المحلي

لمدينة اجدابيا
 
الحقوق محفوظة لموقع الإجدابي 2009
البريد الإلكتروني : info@al-ijdabi.com