كما أنهم ملتزمون بنهج فكري وعقائدي يضمن عدم الخلط بين الثقافة العربية والثقافة الغربية التي تسعى سعيًا حثيثًا من أجل زعزعة الوجود الفكري العربي وإزاحته من أمام طموحها في سيادة مملكة الأدب ، فهم (الشعراء العرب) يبادرون بتناول القضايا الأممية التي هي أساس مقومات القومية العربية مما يضمن بقاء اللحمة العربية ، ويثبتون أن دور الأديب لا يقل شأنًا عن دور الطبيب و الجندي والمعلم والسياسي ، وأن قضايا الأمة تعنيه كما تعني بقية أفراد المجتمع وربما بشكل أكبر لما يملك من حس أوسع وتأثر أبلغ وتصور أرحب . كما أن أهم ما يتناوله الشاعر وأغلبه ما يمس حياة الإنسان ووجوده ، وما يكتنفها من متضادات هي لب معيشة هذا الكائن . وشعرنا المعاصر أقرب لهذا التطور لتعدد الأنماط وبالتالي تعدد القضايا التي تفاعل الشُّعراء معها بكل ما أُوتوا من مقدرة أدبية صادقة ؛ السياسية منها والاجتماعية ، وما يترتب عليهما ، وما يلحق بهما ؛ تفاعلا ً قويًّا كان له أبلغ الأثر في الحياة العامة لأفراد المجتمع البشري ، وكانت أشعارهم هي السلاح الأمضى والقوة الأعتى في مواجهة هذه القضايا وصرعها في أغلب الأحيان ، وهذا ما نلمسه عند الشعراء الليبيين الذين التزموا بهذا النهج الأدبي نتيجة لعوامل عدة . ولقد كان لهذه العوامل (القضايا) أثرها في الشعر الليبي ، فالجوانب السياسية والاجتماعية كانت من ضمن أولويات الشعراء الليبيين ، وكذلك ما يرتبط بهاتين القضيتين ، ولذا فإنهم قد أولوا القضايا الوطنية والقومية اهتمامًاً خاصًّا ، وكذلك الإنسانية بدءًا من التَّدوين الرَّسمي للحركة الشعرية في ليبيا على يد رائدها الشاعر (مصطفى بن زكري) الذي قال عنه الشاعر الكبير " أحمد رفيق المهدوي : " إنه يشبه البهاء زهيرا ًويعد نقطة الالتقاء بين الشعر القديم والنهضة الشعرية الحديثة " ؛ ومَنْ بعده أمثال ( عبد الرحمن البويصري (1354هـ -1935م ) والشاعر المجاهد ( سليمان البـاروني 1873- 1940م ) والشاعر( أحمد الشارف 1864- 1959م ) والشاعر ( أحمد رفيق المهدوي) بقصيدته المشهورة (وطني حبيبي) التي نظمها فـي المنفى ، والشاعر( إبراهيم الأسطى عمر 1907 – 1950م ) وغيرهم إلى أن استلم لواء الشعر الشعراء المعاصرون الذين عايشوا أهم قضية تقض مضاجع الكثيرين من بني الإنسانية عامة والعرب والمسلمين خاصة ألا وهي قضية القدس ، وما تحويه من مقدسات ، فهي مهبط الرسالات ، ومسرى رسولنا الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - الأمر الذي أوجب الالتزام الديني الأخلاقي والإنساني تجاهها ، وقد وفَّى الشاعر الليبي بما عليه من التزام عقدي وروحي من خلال رصده لواقع هذه القضية ، وواقع الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والدار ومن ذلك قصيدة القدس للشاعر الليبي المعاصر حسن أحمد السوسي والتي يقول فيها :
العربـي عـزمـــــــــــة ووقــدةُ تشتــــعــــــــــلُ
مــلءُ دماه ثـــــــــــرة عارمة تعتمــــــــــــلُ
لا يستكين.. أو تعــــــــود قدسنـا .. والمجـــــــــدلُ
أظلّهـا العيد .. وهـــــــــذا الجــرح .. لا يندمـــــــلُ
على ثراهـا الأنبيـــــــــاء درجـوا .. والرســـــــــلُ
وفي رحـــابهـا رسـالات السمـــــــاء تنـــــــــــزلُ
أشـرق مـــــــــن لآلائهـا السّـهْلُ .. وفاض الجبـلُ
تظــل فـــي صـــــلاتهـا لربهـــــا تبتهــــــــــــــلُ
مسجدهــا معطـــــــــــل وأهلهــا قد رحلـــــــــوا
وشــــــردوا وبــــــددوا وحوربوا وقتــلــــــــوا
ولبســــوا الذل فهــــــــم في كل أرض همــــــلُ
لا بأس .. لكن لن يموت في النفوس الأمــــــــل
فهذه القصيدة التي كان عنوانها في حد ذاته التزاماً بالالتزام تجاه هذه القضية الأساس و لاسيما عند العربي ليقيم الدَّال على انتماءات شعرائنا ، فنرى مما سبق أن العربي لن يهدأ له بال أو يشعر بالعزة والكرامة إلا بعودة القدس وانفراج هذه القضية الإنسانية ( الاحتلال والاغتصاب والظلم ) مما يعني له اندمال الجرح وزوال آثاره. وإنَّ من الأسباب القوية ما يجعل الشاعر كثير الحرص والالتزام بواجبه لتحقيق غاية الخلاص لهذه البقعة من الأرض العربيَّة التي شهدت حياة كثير من الأنبياء والرسل ، وكانت هي مدارج أقدامهم ، وموطن استقبالهم لوحي ربهم كما أنها تحوي أولى القبلتين وثالث الحرمين ( المسجد الأقصى )، الذي يعد تطهيره من النجس قضية القضايا ، وإنَّ بقاءه تحت الاحتلال عرضة للعبث يولد قضية الشعور بالعار والمهانة ، وعدم القدرة على صون المقدسات ويرى في الخاتمة أن الفرج لابد من مجيئه مستلهما ذلك من التاريخ الذي يروي أحداثه ماضي هذه الأرض الطيبة وما لقيت من احتلال وهدم وتدمير ولكن رجالات الأمة لم يرضهم ذلك فتعاقب المحررون والمطهرون وكان لهم النصر ، ومن هذا تستمدًّ البشرى بتحرير جديد ، وتطهير عظيم ، وموقد لشعلة الخلاص بوقود الدم الذي سيغسل دنس اليهود الغاصبين .
ويطالعنا الشاعر راشد الزبير برباعية سمّاها رباعية " حنظلة " عبارة عن كتيب صغير الحجم كبير الرمز والدلالة ، عظيم المعنى والمغزى ، جاعلاً محور قصائده وعنوانها رمزاً من رموز النضال الفلسطيني ، وأحد أسلحتها التي فتكت ولا تزال تفتك بالمغتصب ، وأرّقت ولا تزال تؤرق مضجعه ، حتى أخرجته عن صوابه ، مما دعاه لإسكات هذا الصوت ولو بالغدر والبشاعة ، هذا الرمز هو( ناجي العلي) الذي ارتبط اسمه بفلسطين ، فجاء ت قصائده حوارية على لسان هذا الرمز ومن ذلك يقول في قصيدته (من المواطن العربي إلى حنظلة):
التفت حنظلة !
ولكن عينيك حين تدوران
لن تجدا أبدا ًسنبلة
.......................
ستلتقي هناك بوابة
تقاتل أحلامك المقبلة
وتشعر لو أنك اجتزتها
ستصبح أنت هو المعضلة
إنني مدرك أن بيروت قد نسيتك
وأغضت دمشق وقد واعدتك
وعمان تخشى يدا ًعذبتك
وتزداد شكا
وبغداد تحت الحصار نعتك
وفي مصر يبترد النيل من نبعه
ليوافي رشيد وما قد سقتك
وفي المغرب العربي انكفاء
على حلمه وتباريح أنكى
وفوق الجزيرة لا يدرك الناس
ماذا يسطر عنهم وعنك
ومن سد مأرب حتى صلالة
لا يجد الحلم للعوم فُلكَ
وتستصرخ القدس أسوار عكا
وترنو بأحزانها نحو مكّا
فقد أصبحت كل أرض العروبة
من ضيعة الناس والعدل مبكى .
قراءة شاملة للوضع العربي من خلال شخصية " حنظلة " هي تعبير عن المرجعية التراثية التي يتكئ عليها الشاعر من فكر قومي وعقائدي ، والتي لا نحتاج بعدها لمزيد تفصيل ؛ إذ إنَّ شاعرنا ينعى هذه الأمة التي تخلت عن مبادئها القومية والعقائدية فتحولت إلى مبكى من خلال هذه (البانوراما) الجنائزية . لقد جاب أمكنة عدة من خلال رصد الزمن ، ومن واقع هذه الأمكنة وما هي عليه الآن ، فالقدس الشريف محور الهم العربي يستنهض الأماكن التي انطلقت منها يومًا قوافل المجاهدين لتخليصه من قبضة اليهود . يرنو إلى البقعة المقدَّسة التي شهدت عزَّ الإسلام ، وعلة شأن المسلمين علَّ بقيَّة من نخوة تجيب ، لكنَّ الجواب كان ضياعًا ، كان بكاءً وعويلاً ، وبتصوير الحال هذه قد رصد الشَّاعر لنا ما آلَ إليه آلُ حنظلة.
|